التفاوض وقانون الانتخابات... صراع الإرادات والمزايدات على الساحة اللبنانية
كتب المحرر السياسي:
يشهد المشهد السياسي اللبناني حالياً تقاطع مسارين حاسمين، يمثلان بؤرة التوتر والجدل: التفاوض كخيار وطني في مواجهة الشروط الإسرائيلية، وقانون الانتخابات في خضم صراع حول تمثيل المغتربين. ويبدو أن كلا الملفين يتحولان إلى ساحة صراع إرادات ومزايدات سياسية بدل أن يكونا مساراً للحل.
التفاوض: الإجماع الوطني في مواجهة التهويل الإسرائيلي
يُشكّل تأكيد الرئيس عون للمرة الثالثة أن خيار التفاوض "خيار وطني لبناني جامع" نقطة محورية بالغة الأهمية. فالرئيس لا يتحدث بصفته الشخصية، بل يحاول منح القرار غطاءً وطنياً شاملاً يهدف إلى نزع صفة التفرد عن هذا المسار الحساس وتحصينه من الانقسام الداخلي. هذا الموقف يعكس محاولة لرسم خط أحمر أمام الرفض المطلق والضغوط الداخلية والخارجية.
لكن، هذا الإجماع المُعلن يواجه جبهتين من الصعوبات:
- أصوات المعارضة الداخلية: تتعالى أصوات داخلية مستنكرة لفكرة "المفاوضات مع تل أبيب"، ما يُشير إلى شرخ عميق حول طبيعة وشروط هذا التفاوض، ويُحوّل الملف إلى مادة دسمة للاستقطاب والاتهامات. وهذا الانقسام يُضعف الموقف اللبناني التفاوضي ويهدد بتحويل الإجماع الوطني المُعلَن إلى إجماع على الشقاق.
- التعنت والتهويل الإسرائيلي: تتجلى المشكلة الأكبر في إصرار إسرائيل على شروطها، وهو ما يترجم ميدانياً عبر الاستهدافات المستمرة (كما حصل على طريق النبطية) ويترافق مع تصعيد كلامي بلغ حد التهويل. نقل هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر رفيعة أن "لن يكون هناك مكان محصن حتى داخل بيروت" هو تهديد مباشر يهدف إلى كسر الإرادة اللبنانية في التفاوض وفق شروط إسرائيلية مُسبقة تتعلق بـ "حزب الله".
إنّ التحدي يكمن في كيفية تحويل "الإجماع الوطني" على التفاوض إلى موقف تفاوضي صلب وموحد قادر على امتصاص الضغوط الميدانية والكلامية، وعدم الانجرار إلى فخ التصعيد الذي تستخدمه إسرائيل لفرض شروطها بالقوة.
قانون الانتخابات: المنتشرون بين حقهم الوطني و"المضاربة السياسية"
في موازاة صراع التفاوض، احتلت اللجنة الوزارية مركز الاهتمام بـ "نقلة نوعية" تتعلق بقانون الانتخابات، حيث رفعت ثلاثة اقتراحات إلى مجلس الوزراء.
نقطة المفصل هي اقتراح دمج قانوني وزيري الداخلية والخارجية، الذي نال الأكثرية داخل اللجنة، والذي يسمح للمنتشرين بالاقتراع لـ 128 نائباً. هذا الاقتراح يمثل انتصاراً مبدئياً لـ الحق الوطني للمغتربين في التمثيل الكامل، وكسراً لمحاولات تهميش صوتهم أو حصره بمقاعد مخصصة.
لكن،هذا النص يطرح سؤالا حاسماً: "فهل تتبنى الحكومة القرار الذي نال الكثرية داخل اللجنة الوزارية، أم تفضل تدوير الزوايا ما يجعلها شريكة مضاربة في حرمان المنتشرين حقهم الوطني؟"
● صراع المصالح: إنّ مجرد وجود اقتراحات بديلة، ووجود احتمال لـ "تدوير الزوايا"، يُشير إلى أن القوى السياسية التقليدية لا تزال تخشى ثقل الكتلة الانتخابية للمنتشرين وتأثيرها المحتمل على موازين القوى الداخلية.
● المضاربة السياسية: أي تراجع عن اقتراح الـ 128 نائباً، أو محاولة لتمرير نسخة أقل طموحاً، سيُفهم بوضوح أنه مضاربة سياسية وحرمان مقصود لحق وطني، يهدف إلى تجميد الخريطة السياسية الحالية والحد من دخول دماء انتخابية جديدة قد تُغير النتائج.
مفترق طرق حرج
لبنان يقف اليوم على مفترق طرق حرج:
● في ملف التفاوض، هو بين إعلان إجماع وطني هش والتهديد بـ تصعيد إسرائيلي شامل يستهدف الإرادة السياسية.
● في ملف الانتخابات، هو بين إعطاء المغتربين حقهم الكامل، وبين الخضوع لمخاوف الطبقة السياسية من التغيير، مما قد يُحوّل العملية الديمقراطية إلى تحصيل حاصل للوضع القائم.
إنّ اختبار الحكومة والرئيس الخميس سيكون في قدرتها على حماية الحق الوطني الكامل للمنتشرين، لإثبات أن قرارها لا يخضع لـ "تديور الزوايا"، تماماً كما يتحدث الرئيس عن "خيار وطني جامع" في التفاوض.
- شارك الخبر:
